حبيب الله الهاشمي الخوئي
245
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
( ولا يظمأ عليه زرع قوم ) لأنّ من زرع في أرض قلبه زرعا أخرويّا كالمعارف الالهيّة والعقائد الحقّة وسقاها ماء التقوى وجعله مادّتها فلا يلحق ذلك الزّرع ظماء ، بل عليه ينشأ بأقوى ساق وأزكى ثمرة وقوله : ( فاستتروا بيوتكم ) قد عرفت في شرح الفصل السّابق أنّ هذا الكلام مسبوق بقوله عليه السّلام : إنّ اللَّه أدّب هذه الامّة بالسّيف والسّوط وليس لأحد عند الامام فيهما هوادة ، أي شفاعة في تأخير التعزير أو تركه وهو وارد في مقام التّهديد والتّوعيد وإشارة إلى أنّه عليه السّلام لا يأخذه في اللَّه لومة لائم وأنّه لا يشفع عنده في إقامة الحدود والسّياسات ولا يعطل الأحكام بالشّفاعة كما عطلها من تقدّم عليه عليه السّلام . ولمّا نبّههم على ذلك أمرهم بالاستتار في بيوتهم كيلا يجتمعوا على المنافرات والمفاخرات والمشاجرات فيحصل من اجتماعهم ما يوجب الحدّ والتعزير ولا يمكن له إسقاطه بالشّفاعة والهوادة ، فالاستتار في البيوت كناية عن الاعتزال حسما لمادة الفتن ولمّا كان قطع مادّة الفتنة سببا لاصلاح ذات البين أردفه بقوله : ( وأصلحوا ذات بينكم ) ثمّ نبّه العصاة على استدراك عصيانهم بالرّجوع إلى التّوبة بقوله : ( والتّوبة من ورائكم ) قال الشّارح البحراني : وكونها وراء لأنّ الجواذب الإلهية إذا أخذت بقلب العبد فجذبته عن المعصية حتّى أعرض عنها والتفت بوجه نفسه إلى ما كان معرضا عنه من النّدم على المعصية والتّوجّه إلى القبلة الحقيقة فانّه يصدق عليه اذن أنّ التّوبة وراء أي وراء عقليّا وهو أولى من قول من قال من المفسّرين أنّ ورائكم بمعنى أمامكم ( ولا يحمد حامد إلَّا ربّه ولا يلم لائم إلا نفسه ) جملتان خبريّتان في معنى الانشاء يعني أنّه يجب أن يكون حمد كلّ حامد للَّه سبحانه لكونه مبدء جميع المحامد والخيرات ، ويجب أن يكون لوم كلّ لائم على نفسه لكونها منشأ الشّرور والخطيئات كما قال تعالى : * ( « ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ا للهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ » ) * والحمد للَّه والصّلاة على نبيّه ووليّه وآله .